الصالحي الشامي
386
سبل الهدى والرشاد
عنيتكم " . فقالوا : " إنك تتلو أنا أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شئ " . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هي في علم الله قليل وقد آتاكم الله ما إن علمتم به انتفعتم " ، وأنزل الله عز وجل : " ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم ، ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير ) ( لقمان 27 ، 28 ) ودل حديث ابن مسعود ، وأثر عطاء أن الآية نزلت بمكة ، وجمع بينهما وبين حديث ابن مسعود رضي الله عنه بتعدد النزول ، ويحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان في ذلك أن ساغ ذلك ، وإلا فما في الصحيح أصح . وقال الشيخ رحمه الله تعالى في الإتقان : " إذا استوى الإسنادان في الصحة فيرجح أحدهما بكون راويه حاضر القصة أو نحو ذلك من وجوه الترجيحات " ، ثم ذكر ( مثالا له ) حديث ابن مسعود وحديث ابن عباس المذكورين . ثم قال : " فهذا - أي حديث ابن عباس - يقتضي أن الآية نزلت بمكة ، والحديث الأول خلافه " . وقد رجح أن ما رواه البخاري أصح من غيره ، وبأن ابن مسعود كان حاضر القصة . الثاني : قال أبو نعيم : " قيل من علامات نبوة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - في الكتب المنزلة أنه إذا سئل عن الروح فوض العلم بحقيقتهما إلى منشئها وبارئها ، وأمسك عما خاضت فيه الفلاسفة وأهل المنطق القائلون بالحدس والتخمين ، فامتحنه اليهود بالسؤال عنها ليقفوا منه على نعته المثبت عندهم في كتابهم ، فوافق كتابه ما ثبت في كتبهم " . الثالث : قال ابن التين : " اختلف في الروح المسؤول عنها في هذا الخبر على أقول : الأول : روح الإنسان ، الثاني : روح الحيوان ، الثالث : جبريل . الرابع : عيسى - الخامس : القرآن . السادس : الوحي . السابع : ملك يقوم وحده صفا يوم القيامة . الثامن : ملك له سبعون ألف وجه لكل وجه منها سبعون ألف لسان لكل لسان منها سبعون ألف لغة يسبح الله تعالى ( بتلك اللغات كلها ) ويخلق الله سبحانه وتعالى من كل تسبيحه ملكا يطير مع الملائكة ، وقيل : ملك رجلاه في الأرض السفلى ورأسه عند قائمة العرش ، التاسع : خلق كخلق بني آدم يأكلون ويشربون ، لا ينزل ملك من السماء إلا نزل معه ملك منهم . وقيل : هو صنف من الملائكة يأكلون ويشربون " . قال الحافظ : " وهذا إنما يجمع من كلام أهل التفسير في معنى لفظ " الروح " الوارد في القرآن لا خصوص هذه الآية ، فمن الذي في القرآن : 1 ( نزل به الروح الأمين ) ( الشعراء 193 ) ، 2 ( وكذلك أوحينا - إليك روحا من أمرنا ) ( الشورى 52 ) ، 3 ( يلقي الروح من أمره ) ( غافر : 15 ) ، 4 ( وأيديهم بروح منه ) ( المجادلة 22 ) ، 5 ( يوم يقوم الروح والملائكة صفا ) ( النبأ 38 ) ، 6 ( ينزل الملائكة بالروح من أمره ) ( النحل 2 ) ؟ فالأول : جبريل ، والثاني : القرآن ، والثالث : الوحي ، والرابع : القوة ، والخامس والسادس : محتمل لجبريل أو غيره ، ووقع إطلاق الروح على عيسى .